الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
203
تفسير روح البيان
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها فقد افترينا على اللّه كذبا عظيما حيث نزعم حينئذ ان للّه تعالى ندا وليس كمثله شئ وانه قد تبين لنا ان ما كنا عليه من الإسلام باطل وان ما كنتم عليه من الكفر حق وأي افتراء أعظم من ذلك وَما يَكُونُ لَنا اى وما يصح وما يستقيم لنا أَنْ نَعُودَ فِيها في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ اى إلا حالة مشيئة اللّه تعالى لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبئ عنه قوله رَبُّنا فان التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها فان تنجيته تعالى لهم منها من دلائل عدم مشيئته تعالى لعودهم فيها وقيل معناه الا ان يشاء اللّه خذلاننا وفيه دليل على أن الكفر بمشيئة اللّه تعالى وأياما كان فليس المراد بذلك بيان ان العود فيها في حيز الإمكان وخطر الوقوع بناء على كون مشيئته تعالى كذلك بل بيان استحالة وقوعها كأنه قيل وما كان لنا ان نعود فيها الا ان يشاء اللّه ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً علما نصب على التمييز منقول عن الفاعلية تقديره وسع علم ربنا كل شئ كقوله وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً والمعنى إحاطة علمه بكل ما كان وما سيكون من الأشياء التي من جملتها أحوال عباده وعزائمهم ونياتهم وما هو اللائق بكل واحد منهم فمحال من لطفه ان يشاء عودنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصة حسبما ينطق به قوله تعالى عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في ان يثبتنا على الايمان ويخلصنا من الأشرار ثم اعرض عن المعاندين وتوجه إلى مناجاة رب العالمين فقال رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ احكم بيننا وبينهم واقض بما يدل على انا على الحق وهم على الباطل وافصل بما يليق بحال كل من الفريقين وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ والفاتح هو الحاكم بلغة أهل عمان سمى فاتحا لأنه يفتح المشكلات ويفصل الأمور ويجوز ان يكون من فتح المشكل إذا بينه . والمعنى اظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل وفي التأويلات النجمية فاحكم بيننا وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير واظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ عطف على قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا اى قال اشرافهم الذين أصروا على الكفر لاعقابهم بعد ما شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين في الايمان وخافوا أن يستتبعوا قومهم تثبيطا لهم عن الايمان وتنفيرا لهم منه على طريقة التوكيد القسمي واللّه لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ودخلتم في دينه وتركتم دين آبائكم إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ اى في الدين لاشترائكم الضلالة بهداكم أو في الدنيا لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الزلزلة الشديدة وهكذا في سورة العنكبوت وفي سورة هود وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ اى صحيحة جبريل ولعلها من مبادى الرجفة فاسند هلاكهم إلى السبب القريب تارة وإلى البعيد أخرى قال ابن عباس رجفت بهم الأرض وأصابهم حر شديد فرفعت لهم سحابة فخرجوا إليها يطلبون الروح منها فلما كانوا تحتها سالت عليهم بالعذاب ومعه صيحة جبريل عليه السلام فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ اى صاروا في مدينتهم وفي سورة هود فِي دِيارِهِمْ قال الحدادي اى بقرب دارهم تحت الظلة كما قال تعالى فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ جاثِمِينَ اى ميتين على وجوههم وركبهم لازمين لاماكنهم